الفنان كامل المغنى… القلق وسادة الفنان

الفنان كامل المغنى… القلق وسادة الفنان

بقلم: مروان نصار، فنان تشكيلى فلسطينى.

إنّ ما يجعلُنا فلسطينيين هو هذا السر البسيط، وهو أنْ نُصابَ بجنون الحرية…

 محمود درويش

الحرية والقلق مصطلحانِ يرافقانِ كل شخص طموح يعمل بقضايا إنسانية ووطنية تدعوا للخروج بنسقٍ إبداعي يُترجم من خلال أدواتٍ فكرية وفنية، فالحريةُ التي بحث عنها محمود درويش بكتاباته ونتاجاته الأدبية هي نفسها التي بحث عنها الفنان كامل المغنى لكن بسياقات وأدوات مختلفة متنوعة وبمفهوم يقود للحرية ألا وهو القلق

كلمة الفنان الراحل كامل المغنى “القلق وِسادةُ الفنان”

ما هي الرسالة التي أراد الفنان إيصالها لنا كطلبة، من خلال مقولة “القلق وِسادة الفنان”. مجموعة من الكلمات سمعتُها، وما زال صداها ينبعثُ في أُذني حتى هذه اللحظة، وأنا في بداية مشواري الدراسي الجامعي، جُملة لم تكن بالنسبة لي في ذلك الوقت إلا عبارة جميلة استوقفتني لأتمعنَ بها للحظات حتى أُدركها وأُلامسها بشكلها الواقعي والواعي في وقت لاحق مع الممارسة والتجريب من خلال الخوض في غمار النشاط الفني بعد الدراسة، والمتمثل بالوقوف أمام عمل فني لم تحدد فكرته ورموزه وألوانه بعد وكيفية البدء بتفكيك مشهد أسطورة الواقع الاجتماعي والسياسي المرئي منه والمسموع لكثير من الأحداث وبلورتها بصورة تشكيلية.

الإنسانية واللغة التشكيلة بأعمال المغنى

إن ما يدعو للقلق هو تجرد الفنان صاحب القضايا الكبرى من إنسانيته والانعطاف والانكفاء فقط لإشباع الغريزة الشخصية بعيداً عن الهم الإنساني المحيط به والذي رفضه كامل المغنى في أعماله خلال مسيرته التشكيلية.

والمتمعن لنتاج المغنى يرى بوضوح حالة الفعل الطوعي من خلال التعبيرية الذاتية وسيطرة الثقافة البصرية الخاصة به والتي عملت على ترسيخ قيم إنسانية ساعدته بأن تكون نتاجاته مؤثرة اجتماعياً من خلال توصيل رسائل مشتركة تربط بين ماض وحاضر، توصل الأجيال الصاعدة للبنية المعرفية الفنية. إن الكثير من أعماله جمعت كافة الرموز الإنسانية والوطنية والتراثية الموروثة مما ساعد على إيجاد الزمن المفقود المرتبط بواقع المجتمع الفلسطيني الذي خضع لتغيرات مناخية فمن حالة الصراع الداخلي للفنان إلى حالة القلق الوجودي. نجد أن هناك تحولات سياسية أوجدتْ على كاهله مسؤولية تعبوية تتبلور من خلال العمل على بناء مجتمع أكثر وعياً بماضيه وواقعه الإنساني الحاضر ليخوض غِمار التغيير ويصبح هذا المجتمع قادراً على الوصول لمراده.

التقنية والأسلوبية والبحث المستمر عن مجرى أكسجين متجدد

الصيغة الواضحة في نتاجات المغنى تُذكرني بمقولة الطبع يغلب التطبع في كثير من المجريات والنسقية للإنتاج الفني الخاص به والمنتمية للكينونة الفلسطينية الراسخة في ذهن كل إنسان عايشَ فترات زمنية متعددة، فالصراع قائم دائماً عِنده بين المعالجات التقنية وتوظيفها أسلوبياً وبين المضمون الفني، مع مراعاة التوافقات السائدة اجتماعياً. فالأسلوبية كانت جزءاً لا يتجزأ من العمل المستمر الذي تبناه خلال مسيرته الفنية وفتحت آفاق جديدة فيما بعد للبحث عن تقنيات لم تُشغِلهُ عن مضمون العمل والتي دخلت كسياقات معرفية دلالية ربطت الزمانية بالمكانية وأعطت من وجهة نظري أكسجين متجدد للأجيال اللاحقة للخوض بغمار البحث والتجريب عن كثير من التقنيات والأدوات التي استخدمها في المنتج الفني. فماذا كان يمهد لنا كامل المغنى مستقبلاً وما اللغة الجديدة التي كان سيطرحُها لنا لولا القدر الذي أوقف السيل الإبداعي له؟

الرمل والخيش والحديد ودوائر إلكترونية وجرائد في أعمال المغنى

مجموعة من الخامات الرمل والخيش والحديد ودوائر الكترونية وجرائد، جميعها شكّلت له أسلوباً غير نمطي تمثلت بخصوصية جمعت بين العقل والروح بمخرجها الخاضع لاعتبارات هندسية وفنية معاً والتي سرعان ما انتهت بانتهاء القدر الذي أسدل الستار على طُموحهِ للوصول لمنجز معاصر جديد يخوض من خلاله غمار السباق الإبداعي.

البحث عن المعنى والضرورة الأخلاقية

العناصر والمفردات في أعماله وُجدت ضمن بحث عن معنى موضوعي أخلاقي وظهرت لتكون وليدة مجتمعٍ محافظ متمثل بالقيم والأصول التاريخية لمحور الصراع القائم. فالشغل الشاغل بالنسبة له هو التفكير بالبنية التشكيلية، حيث أرى أنه بحث عن مقومات نجاح أخرى مهمة لم تقتصر على النطاق التشكيلي فقط، وذلك بالعمل أعلى تشكيل وعىٍ جمعي يشرك المجتمع المحيط به متمثل بالوعي السياسي والقومي ومفهوم الانتماء والكفاح والاستقلال وكثير من المعاني التي أراد توصيلها للمشاهد والمتأمل.

بالإضافة إلى المكان والزمان اللذان كانا حاضرين في أعمال المغنى، فإنه تجاوز المرئي وأضاف الإدهاش وخاض بالارتجال الواعي  ومن خلال الإضافة والتنويع اللوني، أوجد توازناً بين المعقول والمحسوس وبين الروح والمادة وبين الظاهر والباطن وبين المركزي والهامشي، فتارة تجد أحد العناصر يهيمن على الآخر بقوة الانفعال وتارة أخرى يخضع لقوانين أسس التصميم ونظرياتها اللونية، والتي من خلالها أوجد له ”باليتا لونية“ تميزه عن غيره من الفنانين مما حقق نجاحاً آخر ظهر من خلال الأسلوبية لديه والتي تمثلت بشكل جلى ليس بالتركيبة الشكلية واللونية والبناء فحسب، بل النجاح في توظيف خصوصية المنطقة وبعدها العربي القومي تلك الخصوصية المدعومة بمخرجات ماضية وحاضرة والتي شَكلت إحياء للأفكار والعادات القديمة لتنبثق من جديد مع حالة التغيير المتشعبة، كل ذلك أدى إلى إيجاد معانٍ  طُرحت من خلال أعماله بسياقات أخلاقية.

كانت التوليفة الفنية والممارسة الإبداعية عند المغنى تنقسم لشقين، الموضوع الفني والوجه الأخلاقي وكلاهما أوجد معانٍ ملهمة للأجيال الجديدة من فنانين ومبدعين انعكست على طبيعة الإنتاج، فحقق إنجازاً أخلاقياً، يحسب له من خلال تبصره لنتائج بعيدة المدى.

شهوانية المعاصرة وعِشق الموروث

هل أصبح فن المجتمعات صاحبة الحضارة خاضعاً لسيطرة ثقافة المركز الواحد في ظل حالة التحول الفكري ”لرواية“ ما بعد الحداثة بنقل هيمنة الإبستمولوجيا إلى هيمنة الأنطولوجيا والتي نشأت ضمن أهداف لجعل المفاهيم والدلالات المعرفية والحنين للموروث في حالة غموض وتيه بالإضافة لتبنى أفكار جدية تناهض الأيدولوجيات والقيم والمبادئ؟ وذلك في وقت أصبح ينادى المجتمع الأوربي بمثقفيه وفنانيه، بمجتمع أكثر تحررياً يناهض العمل السياسي والاقتصادي وهيمنة المؤسسة الرسمية الداعمة لأفكار وثقافات وتطلعات الشعوب بالتمسك الهوية والدين والوحدة والسلطة واليقين. فعملوا على تقديم خطاب خالي من المعنى والغموض الأدبي والفني وخلخة السياقات.

فنجد أن الحالة الأوربية لها مبرراتها في عملية التغيير التي شملت جوانب كما ذكرنا اجتماعية ودينية وأخلاقية.

والسؤال: ما هي مبرراتنا نحن كمجتمعات عربية عامة والمجتمع الفلسطيني خاصة من الانفتاح والتنويع والاندماج بثقافات الآخرين؟

والسؤال هنا ليس من باب الرفض للتنوع والتداخل الثقافي والتجريب الذي فرضه القرن الواحد والعشرين بقدر تطلعنا للتحرر المتوازن فلا بد من إيجاد حالة وعى تكون مرتكزاتها منصبة على الاهتمام بالمضمون والإنتاج الفكري والفني الأخلاقي بحيث يدور وفق محاور الصراع بشكل أذكى وإيجاد خطاب ينتمي لطبيعة وجغرافية وتاريخ المنطقة يساعد على توجيه خطاب مجتمعي يرسو بالقضية وتطلعاتنا.

الفنان كامل المغنى بنتاجاته ونتاجات جيله أيضاً عملوا على صياغة مورث فني بأدوات وأفكار معاصرة تناسبت من وجهة نظري مع طبيعة المناخ السياسي والاجتماعي الذي مروا به. فكانت مرحلة الممارسة الفنية لها مبرراتها النضالية في فترة من فترات الصراع والتي خضعت للتقييم المطلق وليس النسبي من وجهة نظري نتيجة أدواتها وأهدافها المجتمعية الآنية.

فتطور الخطاب الفني أوصلنا إلى حالة بحث معرفي وفلسفي شملت كل أوجه النشاط الفني حتى يومنا هذا، أرى في هذا التطوير أنه وجد ضمن حالة موازية تمثلت بتطوير كافة القدرات الرافضة للاحتلال، فمن مقاومة شعبية سلمية إلى مقاومة مسلحة انتهت بمقاومة كافة أشكال كي الوعي والوجود التي ما زال يمارسها المحتل علينا بأدواته الإعلامية والترويج الثقافي حسب اعتقادي. فالشكل والأسلوب والأدوات تغيرت ووجدت بسياقات تناسبت مع العصر، فكان التغيير على مستوى التقنيات والأدوات والاحتفاظ بمصداقية الموضوع مع اختلاف الأساليب الفنية وتنوعها البصري في طرح قضايانا كما نشاهد في أعمال المغنى وفناني جيله وجيل الشباب الذين ما زالوا يماسوا العمل الإنتاجي في هذا الوقت.

فالفنان بين حدين إما يكسب الحالة الفنية الإنسانية المتمثلة بتوصيل رسالته الفن من أجل الفن وخدمة القضايا الكبرى أو يخسر السوق العالمي الموجه حسب أجندات ترويجية تُحدد من خلالها الطبيعة الإنتاجية لأهداف تناسب قيم المعارض الفنية وصالات العرض الكبرى والاكتفاء بالمساعدين والداعمين للقضايا الإنسانية.

كما تحدث الدكتور شقيق رضوان خلال كلمة له حول أعمال معرضي الفني “حراك” الذي عرض في عدة مدن فلسطينية السنوات الماضية قال فيها إن الفنان الفلسطيني حمل على كاهله مهمة متمثلة بالمساومة الصعبة لإمساك أكثر من عصفور بيد واحدة.

كل هذا عمل على تشكيل مقاومة وجودية يخوض غمارها كل عنصر في فلسطين

من الملثم الى المرأة

فمن ظهور الملثم إلى ظهور المرأة في الخطاب الفني الجديد. ما الذي أراد الفنان كامل المغنى إيصاله من خلال رسم المرأة الفلسطينية للمجتمع والعالم؟

هل أراد المغنى خلق مزيج من الحقائق البصرية الجديدة من خلال طرح القضايا الثورية لتصل إلى مستوى أوسع من خلال العمل على إظهار عناصر جديدة؟ فمن مشهد الملثم وصولاً إلى مشهد جديد خضع لتحولات فكرية وفلسفية وترويجية ألا وهو المرأة.

وبهذا التحول الجريء في الخطاب هل كانت النتيجة إحداث تغيير في تركيبة ومضمون اللوحة بتحويلها من أسلوب ثوري إلى خطاب يتناغم سياسياً وفنياً ولكن بمعطيات جديدة.؟

إن الحالة التي فرضتها التحولات السياسية وأدوات العصر قد حددت متطلبات جديدة للحالة الفلسطينية والتي فُرضت عليهم، وربما ترجع لعدة أسباب.

وهي إما ان تكون تحولاً في الخطاب الفني وطرحه بصورة فنية نوعية تكون نتاجاته واسعة المحور جغرافياً وتاريخياً، أو كحالة قد نصفها بمرحلة خيبة الأمل إن صح التعبير. حيث اتّسمت المرحلة بهدوئها الثوري ولو كان نسبياً بعض الشيء، مما فرض على الفنان التفكير بإعادة النظر وقراءة مشهد جديد قد يوصف بأنه مرّ بمرحلة التعبير الرومنتكي من خلال المواضيع المقدمة والتي توسعت بنطاق أهدافها. كل ذلك تزامن مع ظهور رموز وموضوعات جديدة حافظت من خلالها على المضمون والأهداف فكان لزاماً على المجتمع في مرحلة مهمة إبراز دور المرأة لما قدمت من تضحيات خلال فترات نضالية فكان العمل حسب اعتقادي في تناول هذا الموضوع وإبرازه بخطاب ذكي شمولي له مبرراته.

وهدفه التخطي للحدود لتصل للعالمي برمزية وطنية مروراً بالتعبيرية المعاصرة. كل ذلك يرجع لإحداث خطاب جديد يتعدى الترويج المحلى ليصل للمجتمعات الغربية لما تمثله المرأة عندهم كحالة ملهمة ومثيرة للاهتمام تستحق الحشد والمساندة حسب ترويجهم المؤسساتي والحقوقي الداعم لها.

المرأة في نتاجات الفنانين

عندما وصف نزار قباني المرأة أنها الثقة والعِناد وقوة التأثير والغموض والثورة والحرية وعندما قال الثقافة أُنثى واللغة أُنثى والقصيدة أُنثى والشجرة أُنثى والثورة أُنثى والحرية التي نادى بها الفنان الفرنسي ليوجين ديلاكروا جُسّدت بالأُنثى أيضاً مستعيناً بشكل امرأة عارية الصدر تملؤها الحيويّة مُتمردة ويبدو عليها الفخر ترفع راية الحرية وتقود الناس نحو النصر. وحرص ديلاكروا على تصدر الأنثى في لوحة ”الحرية تقود الشعب“ التي أنتجها في سنة 1830. فمن خلالها مارس الفن كنشاط سياسي واجتماعي رغم التوجه الرومانسي للأسلوب. حيث نشأت الرومانسية في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر كردِ فعلٍ ضد الثورة الصناعية وعقلنة الطبيعة والأرستقراطية الاجتماعية التي قسمت المجتمع طبقات، فالشخصية البارزة ”ماريان“ كجسد ينادى بالحرية متمثلًا في شكلها العاري الذي يرمز من خلاله للتطلع للحرية وتقود المجتمع نحو النصر والتغير.

فالأيقونات الثورية البصرية للمرأة الفلسطينية كثيرة منهن ليلى خالد ودلال المغربي وغيرهن الكثير حتى أصبحنَ علامة بارزة في تاريخ النضال الفلسطيني. إن مشهد المرأة ظهرت بشكل واضح في أعمال المغنى واهتمامه بتجديد وإستحداث أشكال رمزيه لها من خلال مُنتجهِ الفني حيث استخدم رمزية المرأة كخطاب حاشد نوعي وعصري.

والجدير ذِكره أن كامل المغني فنان فلسطيني من مواليد الشجاعية في غزة، حصل على بكالوريوس ديكور من جامعة الإسكندرية عام 1966 وهو من المؤسسين لرابطة الفنانين التشكيليين في فلسطين كما ساهم في تأسيس جمعية الفنانين التشكيليين في قطاع غزة، عمل رئيساً لقسم الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية بنابلس ما بين عامي 1993-2000. كما عمل رئيساً لرابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في الضفة والقطاع 1990-1991. وشغل منصب رئيس جمعية الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في قطاع غزة عام 1989. عمل أيضاً رئيساً لقسم الفنون بجامعة الأقصى، توفي في يوم الأربعاء 5 آذار 2008 عن عمر يناير 64 سنة.

نُشر المقال في مجلة رمان الثقافية، بتاريخ 4/9/2018 الساعة 11 صباحا

No Comments

Post a Comment