الفن الفلسطيني… بين الطموح النهضوي والممارسة الإنتاجية للمعرفة الطارئة

الفن الفلسطيني… بين الطموح النهضوي والممارسة الإنتاجية للمعرفة الطارئة

مروان نصار

عن ماذا بحثنا في نتاجاتنا الفنية، النظرية منها والعملية؟ وهل شكلت هذه النتاجات خطاباً فكرياً بقواعد بناء سليمة في ظل حالة التوتر والحيرة التي اتسم بها هذا العصر؟

وهل أسست الإنجازات والممارسات لنهضة فكرية أم كانت إنتاجية لا تتعدى الممارسة المعرفية للتاريخ وسرده بوقائع أقرب للتوجهات الراديكالية وطروحات مورست بطريقة محاكاة وانسياق وانجرار واستنساخ؟

وكيف سنتوصل لتوجه نهضوي يوصلنا تدريجياً لإزاحة واضحة للأمام بحيث تنقلنا من الإنجازات المعرفية الطارئة والأدب الرمادي إلى نتاجات توظف فيها الفعالية مع الكفاءة في ظل هذا الزخم الإنتاجي للمعرفة؟

وهل سنتمكن من إعادة انطلاق فكرى بنتاج حداثي مؤثر ملموس مبنى على التعليم والممارسة العملية معاً من أجل تحقيق انعكاس ناجح للمورث الثقافي. ويكون مؤثراً اجتماعياً وسياسياً ويضع المنطقة في مكانها الصحيح؟

إن المناخ السياسي المتغير في فلسطين قد أظهر العديد من التباينات والاختلافات في كيفية الإدارة والتوجيه الجمعي للمنظومة الفكرية والاجتماعية والسياسية للمجتمع الفلسطيني وخاصة الثقافة والفن، كونهما عنصرين مؤثرين في ترسيخ وتعزيز الكثير من القيم لإدارة الصراع من أجل الحفاظ على الموروث التاريخي.

وحيث شكلت هذه المتغيرات صدمات قاسية وخلخلة في كافة المكونات المادية والمعنوية مما انعكس سلباً على التكوين المجتمعي فظهرت تحديات والتباسات شديدة التعقيد في المواءمه بين إنتاجية الثقافة وكيفية توظيفها بما يخدم البيئة المحيطة والممارسة السياسية وسبل تعزيز الهوية.

فأوجدت هذه المتغيرات حالة تحد واضحة في نوعية التوجه وأساليب الممارسة من أجل الوصول لسبل النهوض بالمجتمع والعمل بشكل مستمر لتحديث وصياغة جديدة للإنتاج الفني. فكان العمل ضمن مقولة الحياة لا تفنى إنما تتحول من شكل لآخر. سواء رغبنا أو لم نرغب بهذا. فالعلاقة الوجودية على الأرض أكانت على سطحها أوفى باطنها لا تعفي الإنسان من أي مسؤولية ولا تغفر له أية زلة في سبل البحث عن التحرر والنهوض من أجل الخلاص.

فكان العمل إما للذهاب لحالة إصلاحية ترميمية لأشكال الموروثات هدفها الاحتفاظ بالأنماط والتقاليد لتبقى كبراهين ثقافية لا تتعدى الدفاع والأرشفة فقط. أو الذهاب لنقلة معرفية تطويرية تحول الموروث لمعطيات هدفها البناء وإظهار مرتكزات جديدة تعمل على بناء الجسور وربط الإمتدادات وملاءمتها بالواقع بحيث تكون جزءاً من هذا العالم وبما يتناسب مع المشهد بتركيبته المتغيرة.

إذ نجد مشهداً متسارعاً في التطور والمتمثل بـ “النمو المنتظم والمستمر لأشكال الوجود وحالاته” كما قال مرتز، V.T.Merz.

ويتزامن هذا التطور مع تحديثات عالمية ظهرت في خطابات الأمم. فمن التمايز الفكري والخصوصية البصرية في فترات تاريخية سابقة إلى التماهي وإلغاء الفروق والسمات الثقافية والإنتاجية بين الشعوب والذي يرجع أسبابه إلى تغير تركيبة المهمات الموكلة لأفراد المجتمع.

فبعد أن كانت التوجهات والتصورات فردية مبنية على تكاملية الأدوار بين الأفراد بهدف البناء وفق احتياجات المجتمع، أصبح الفرد في فترة الحداثة وما بعدها لا يشكل تأثيراً كبيراً على مسار المجتمع بل أصبح ضمن الماكنة البيروقراطية والإدارية للدولة الحديثة. فهذه التحولات خلقت بطالة فكرية وجماهيرية. فالعولمة وأشكالها وما أوجدته من توحيد فعلى للثقافة فى العالم ألقت بظلالها على المجتمع الفلسطيني فشكلت صدمة فكرية وتحديات واضحة على طبيعة النتاجات الفلسطينية فى وقت حرج اجتماعياً ووطنياً وظرف سياسي بحاجة لخطاب يتناغم مع الواقع.

فكانت التساؤلات عن ماهية وشكل العلاقة التبادلية لاستقطاب أفكار جديدة في ظل كثير من التحولات والتحديثات على طبيعة الإنتاج المعرفي العصري. من أجل العمل على إيجاد قواعد بناء مبنية على معتقدات ومفاهيم سليمة لدى المجتمع، بحيث تشكل هذه المعتقدات والمفاهيم تمكيناً فكرياً للفرد والمجتمع لتسييره بمنهجية تدريجية متراكبة متراكمة من أجل الحصول على توالد وتراكب حقيقي.

النتيجة إذاً هي إما أن يكون هذا الاستقطاب الفكري مبنى على تكاملية بين الأهداف والأدوات والنتائج أو الذهاب لمستنقع التبادل والاستقطاب العشوائي الخارجي مما يؤثر سلباً على المخرجات. فالمطلوب إيجاد أرضية متينة لبناء منظومة مؤسساتية قوية مدعومة اجتماعياً وفكرياً توصلنا لمعرفة حقيقية مؤثرة تنتهي بمشهد نهضوي. فالثقافة والهوية يتشكلان عبر مفاهيم الحرية الفردية أولاً والانتماء الاجتماعي ثانياً والوعي الثقافي ثالثاً.

فلا بد من ترسيخ المفاهيم للوصول لملامح وعى تأخذنا لتقارب وتجانس بين ثقافة النخب وثقافة الجمهور مع الاستمرارية بالاستقطاب لكل ما هو جديد في مجال المعرفة. لنصل لرافعة تعمل على غرس القيم الأخلاقية والاجتماعية لتوليد هذه الأفكار والتي ينشأ من خلالها ”العقائد والمفاهيم“. لذلك كانت المواصلة واستمرارية ”التحدي والاستجابة ” واضحة على المجتمع الفلسطيني بجميع مراحله. فمصطلح ”التحدي والاستجابة“ أوجده المؤرخ أرنولد تُوينبي والذي استلهمه من عِلم النَفس السلوكيّ، يقول إنّ الفَرد الذي يتعرضُ لصدمةٍ قد يفقدُ توازُنَه لفترةٍ ما، ثم قد يستجيبُ لها بنوعَين من الاستجابة:

الأُولى: النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسك به تعويضًا عن واقعه المُرّ، فيُصبح انطوائيًا؛ والثانية: تقبل هذه الصدمة والاعتراف بها ثم مُحاولة التغلب عليها، فتكون في هذه الحالة انبساطية.

إن المجتمع الفلسطيني مارس الفن كسلوك تحريضي تعبوي للجماهير، وقد غلبت على مضامين هذا الفن التوجهات السياسية الأيدلوجية وأرشفة لكثير من الرموز الوطنية والقومية في مراحل سابقة. فكان واضحاً حالة ”الأثر والتأثر“ وعوامل ”التحدي وأثارها“ ”والاستجابة ومتطلباتها“ الوطنية بالتوازي مع مسار التحديث المفاهيمى المعاصر للعمل الفنى فيما بعد وما زالت هذه التحديثات تظهر بنتاجات الفنانين الشباب فظهرت العديد من الممارسات الفنية المفاهيمية البنيوية والتي تعتمد على المخاطبة الذهنية للمرئيات بالتزامن مع الخطاب الواقعي ومحاكاته بحيث تترجم الأعمال بما ينسجم مع التطبيق والمعرفة النظرية مما يضمن تحقيق أثر وفعالية على البنية المجتمعية الداخلية ومحيطها الخارجي.

عمل بشار الحروب (الصورة أعلاه) هو عمل تركيبي مفاهيمي معاصر التكوين يدعو للتريث قليلاً قبل إصدار أي حكم. والسؤال هنا يجب أن يكون عن ماهية وطبيعة تفكير الفنان تجاه هذا العمل المتباين جذرياً بين المضمون المتمثل بالفلسفة الفكرية التي وظف أدواته من خلالها وبين الرمز الوطني المتمثل بالعلم الفلسطيني.

والسؤال أيضاً: ما الأسباب التي جعلت الفنان يطرق أبواب جديدة يدخل من خلالها لدائرة بحث أوسع والتي ستوصله في تقديري لتفسيرات أكثر تعمقاً حول طبيعة الترويج الفني والنتاج الحديث وأهدافه في وقت أنه مارس الفن الذهني (المفاهيمى).

ويبحث هذا التوجه من خلال الاستناد للحالة الذهنية الفنية تحت مفهوم النسقية الفكرية وهي حالة من الفعل تتيح للفنان استخدام الوسائل التي يراها مناسبة وملائمة لتوصيل الهدف من العمل فكان الفعل الفني بالتوازي مع الرسالة المجتمعية يهدف إلى توسيع دائرة التضامن مع القضية الفلسطينية والعمل على اختراق نوعي من أجل الوصول لسبل الدعم بأشكاله السياسة والاجتماعية أيضاً على أمل منه أن يمتد الترويج لمساحات جغرافية متعددة.

بشار الحروب عمل وسخّر طاقته بأن يحصل هذا كله من خلال المواءمة الفنية وتوليف الخامة مع الفكرة بالتوازي مع الاستعمال لمفاهيم وأدوات معاصرة.

فنجد أن فكرة العمل فنية ترويجية مثيرة للاهتمام ذات معان يشترك بتفسيراتها أكبر قدر ممكن من البيئات والثقافات والدول والتي تمثلت باستخدام ماركة مسجلة عالمياً وهي منتجات الكوكا كولا. شكلت هذه المعالجة من خلال ربط ألوان العلم الفلسطيني بتوظيف عبوات الكوكاكولا الملونة بما يخدم الفكرة وتطلعه الفني في نقل الرسالة لأوسع نطاق جغرافي ممكن ولا يكتفى بالترويج المحلى والعربي لتصل للعالمي. فهنا نجح في إيجاد معالجة من خلال تطلعه لربط القضية بمعالم ورموز عالمية.

للفنان شريف سرحان: لعبة حرب

إن توجه الفنان ورغباته المرجوة من خلال هذا الإنجاز ما هي إلا ترك تصورات لدى المجتمع الفلسطيني ومحيطه الجغرافي عن ماهية وشكل وقوة أدوات الحرب ودمارها فأوجد حالة اختراق نوعي عبر من خلالها عن مضمون كان أقرب إلى محاكاة البعد الاجتماعي والإنساني والوطني لرفع عزيمة مجتمعه وتعزيز التضامن الدولي بالتزامن مع حالة البطش والظلم الواقع عليه. فمن خلال المشروع أوجد تكاملاً بصرياً وتبايناً واضحاً بين الحقيقة والخيال وذلك بالعمل على توضيح حجم وقوة الدمار التي تحصل بعد كل حرب. ولا بد أن نتساءل أيضاً عن ماهية وتركيبة الجندي المستعمر داخل هذه الحرب ونفسيته المنهارة لاعتقاداته بأن كل هذا الدمار لن يجلب له الأمن.

إن اشكال هذا البطش أصبحت تشكل له عبئاً نفسياً لرغباته الشخصية ولن تلبي إلا طموح ورغبات النظام السياسي والعسكري القائم. إن الجندي في حالة صراع وبحث عن سبل التخلص من هذا العبء الثقيل المختلف نسبياً من جندي لآخر.

فالمشروع لدى سرحان يبحث عن كوامن الرغبة والرفض لقرار الحرب لهذا الجندي والإقدام عليها. فتمت الترجمة من خلال عمله المفاهيم التركيبي وتنوعت الطرق والوسائل والأدوات من خلال توصيل الرسالة البصرية، فالمشروع شمل تكوينات مادية وأعمال وظفت بطريقة رقمية فتجد الدمى البلاستيكية ومجسمات أدوات الحرب وجنود وعتاد عسكري أيضاً حقيقي أظهر من خلالها رسائل تميزت بالفراغ البصري بين أجزاء عمله حيث شكلت هذه الفرغات بعداً ديناميكياً أعطى نمطاً إيقاعياً. والمرجو من كل هذا توصيل معنى وتصور للمشاهد أن هذا الفراغ ما هو إلا تعبير عن حالة الضياع والتيه النفسي والاجتماعي للجندي بالعمل على تغييب الجسد بصرياً واهتمامه بإظهار العتاد العسكري على حساب الجسد والروح.

فأظهر مدى التناقض بين الجسد وأساليب التحصين والتمويه بهذا العتاد والمتمثل بالبزة العسكرية. فسرحان كان متغافلاً عن إظهار الشخصية العسكرية الذي يرسمها النظام المستعمر للعالم. فنجح بصياغة المشهد والاقتراب من الواقع عن طريق المحاكاة وترجمته ميتافيزيقيا فتوصل لتكوين بصري ملموس وظف من خلاله جوانب مهمة والمتمثلة بالحكمة والذي أوجد من خلالها توازنات ذهنية مع الواقع. وفلسفة في التنفيذ فاقتربت تجربته من محاكاة الحكمة الأرسطية بشقيها النظري والعملي. فأوجد لغة مشتركة بينهما كانت واضحة في بناء عمله التركيبي.

المعاصرة تكمن بنتاجات ومشاريع سرحان والحروب وغيرهم من الفنانين المعاصرين ليست في ممارسة الفن بأبعاده الجمالية فحسب. بل في مدى توظيف البعد الاجتماعي والسياسي تطويع هذه المواضيع فنياً بما يخدم قضاياهم الإنسانية المحيطة وترجمتها بأدوات وأساليب معاصرة.

أخيراً…

لا محددات ولا إشارات ولا قواعد ولا رموز ذات معنى ثابت. بل هناك قيم متحركة لا بد أن تتناسب مع الظرف السياسي والاجتماعي في ظل عصر متسارع تقنياً بعلومه ونظرياته وبمكتشفاته والتي فرضها علينا هذا العصر شئنا أم أبينا، مما يجعل من إمكانية الاستقرار نحو شيء معين بالغاً في الصعوبة والتحجر. وعلى الفنان أن يلتزم فقط بثبوتية الهوية والنشأة قدر الإمكان.

فلا بد من تشكيل ثقافة تنسجم اجتماعياً مع العصر ومع المتطلبات السياسية بمتغيراتها، فكل الأفكار لا بد أن تخترق أسوار العقل للوصول للعبقرية في الإنتاج وعدم الاكتفاء بإنتاجية محصورة المكان والزمان والتطلع للحرية وتعزيز قيم الانتماء من خلال تحقيق رغبات المجتمع والعمل على امتلاك وسائل الترويج المعاصر للإنتاج من أجل الحفاظ على البقاء المادي والمعنوي المتمثل بعوامل التحدي ومقوماتها والاستجابة الروحية وسبل تعزيزها.

نشر هذا المقال بمجلة رمانhttps://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5124

No Comments

Post a Comment